الجمعة، ٣ يوليو ٢٠٠٩
إبن القيم الجوزية – السرور
مدارج السالكين منزلة السرور
قال صاحب المنازل.باب السرور قال الله تعالى{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن فإن الله تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة فإن من فرح بما يصل إليه من جواد كريم محسن بر يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه أولى وأحرى ونذكر ما في هذه الآية من المعنى ثم نشرح كلام المصنف قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم فضل الله الإسلام ورحمته القرآن فجعلوا رحمته أخص من فضله فإن فضله الخاص عام على أهل الإسلام ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض فجعلهم مسلمين بفضله وأنزل إليهم كتابه برحمته قال تعالى {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله قلت يريد بذلك أن ههنا أمرين.
أحدهما الفضل في نفسه والثاني استعداد المحل لقبوله كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له والله أعلم والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته عقيب قوله يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة فأخبر سبحانه أن ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه وهو أشد ألما لها من أدواء البدن ولكنها لما ألفت هذه الأدواء لم تحس بألمها وإنما يقوى إحساسها بها عند المفارقة للدنيا فهناك يحضرها كل مؤلم محزن وما آتاها من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه وحياة الروح به والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها كل شر ومؤلم فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به لا ما يجمع أهل الدنيا منها فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات ووشيك الزوال ووخيم العاقبة وهو طيف خيال زار الصب في المنام ثم انقضى المنام وولى الطيف وأعقب مزاره الهجران وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين مطلق ومقيد.
فالمطلق جاء في الذم كقوله تعالى{لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} وقوله {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} والمقيد نوعان أيضا مقيد بالدنيا ينسي صاحبه فضل الله ومنته فهو مذموم كقوله {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} والثاني مقيد بفضل الله وبرحمته وهو نوعان أيضا فضل ورحمة بالسبب وفضل بالمسبب فالأول كقوله{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} والثاني كقوله{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى مقامات العارفين قال الله تعالى{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وقال{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له وإيثاره له على غيره فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له على قدر محبته له ورغبته فيه فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له ولا يحزنه فواته فالفرح تابع للمحبة والرغبة والفرق بينه وبين الاستبشار أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله ولهذا قال تعالى {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِم} والفرح صفة كمال ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها والمقصود أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته والفرح والسرور نعيمه والهم والحزن عذابه والفرح بالشيء فوق الرضى به فإن الرضى طمأنينة وسكون وانشراح والفرح لذة وبهجة وسرور فكل فرح راض وليس كل راض فرحا ولهذا كان الفرح ضد الحزن والرضى ضد السخط والحزن يؤلم صاحبه والسخط لا يؤلمه إلا إن كان مع العجز عن الانتقام والله أعلم.
فصل قال صاحب المنازل السرور اسم لاستبشار جامع وهو أصفى من الفرح لأن الأفراح ربما شانه الأحزان ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع وورد السرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة السرور والمسرة مصدر سره سرورا ومسرة وكأن معنى سره أثر في أسارير وجهه فإنه تبرق منه أسارير الوجه كما قال شاعر العرب
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
وهذا كما يقال رأسه إذا أصاب رأسه وبطنه وظهره إذا أصاب بطنه وظهره وأمه إذا أصاب أم رأسه وأما الاستبشار فهو استعفال من البشرى والبشارة هي أول خبر صادق سار والبشرى يراد بها أمران أحدهما بشارة المخبر والثاني سرور المخبر قال الله تعالى{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}فسرت البشرى بهذا وهذا ففي حديث عبادة بن الصامت وأبي الدرداء رضي الله عنهما عن النبي صلى اله عليه وسلم" هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " وقال ابن عباس بشرى الحياة الدنيا هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله.
وقال الحسن هي الجنة واختاره الزجاج والفراء وفسرت بشرى الدنيا بالثناء الحسن يجري له على ألسنة الناس وكل ذلك صحيح فالثناء من البشرى والرؤيا الصالحة من البشرى وتبشير الملائكة له عند الموت من البشرى والجنة من أعظم البشرى قال الله تعالى{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار} وقال تعالى {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} قيل وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه ولذلك كانت نوعين بشرى سارة تؤثر فيه نضارة وبهجة وبشرى محزنة تؤثر فيه بسورا وعبوسا ولكن إذا أطلقت كانت للسرور وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به قوله هو أصفى من الفرح واحتج على ذلك بأن الأفراح ربما شابها أحزان أي ربما مازجها ضدها بخلاف السرور فيقال والمسرات ربما شابها أنكاد وأحزان فلا فرق قوله ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع يريد أن الله تعالى نسب الفرح إلى أحوال الدنيا في قوله تعالى{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} وفي قوله تعالى {لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} وقوله تعالى{إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} فإن الدنيا لا تتخلص أفراحها من أحزانها وأتراحها البتة بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة أو مقارنة أو لاحقة ولا تتجرد الفرحة بل لا بد من ترحة تقارنها ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس فيقال ولقد نزل القرآن أيضا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع كقوله تعالى فرحين بما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره قوله وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة يريد بهما قوله تعالى{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} والموضع الثاني قوله{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} فيقال وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم كقوله تعالى{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة إلى أحوال الدنيا وأحوال الآخرة فلا يظهر ما ذكره من الترجيح بل قد يقال الترجيح للفرح لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به ويطلق عليه اسمه دون السرور فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور وأمر الله به في قوله تعالى{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} وأثنى على السعداء به في قوله{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وأما قوله تعالى{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} وقوله {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} فعدل إلى لفظ السرور لاتفاق رؤوس الآي ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح لكان أشد مطابقة للآية التي استشهد بها والأمر في ذلك قريب فالمقصود أمر وراء ذلك قال وهو في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى سرور ذوق ذهب بثلاثة أحزان حزن أورثه خوف الانقطاع وحزن هاجته ظلمة الجهل وحزن بعثته وحشة التفرق لما كان السرور ضد الحزن والحزن لا يجامعه كان مذهبا له ولما كان سببه ذوق الشيء السار فإنه كلما مان الذوق أتم كان السرور به أكمل وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان الحزن الأول حزن أورثه خوف انقطاع وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ووفد المحبة فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا الوفد وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فثبط عزائمهم وهممهم أن تسير إليه وإلى جنته وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محغابه فلو عانيت قلوبهم حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد وقد غمرتها الهموم وعقدت عليها سحائب البلاء فأحضرت كل حزن وغم وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها وقد غابت عنها المسرات ونابت عنها الأحزان لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل ولا تعوقه أمنية كما تقدم فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} وقوله تعالى{ياأيها الناس اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} وقوله تعالى{وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} وأمثال هذه الآيات قوله وحزن هاجته ظلمة الجهل وهذا الحزن الثاني الذي يذهب سرور الذوق هو حزن ظلمة الجهل والجهل نوعان جهل علم ومعرفة وهو مراد الشيخ ههنا وجهل عمل وغي وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة وسمى ضده ظلمة وموتا وضلالا قال الله تعالى{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} وقال تعالى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} وقال تعالى{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} وقال تعالى{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقال تعالى{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} فجعله روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد ومثل هذا النور في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ومثل حال من فقد هذا النور بمن هو في ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور الحزن الثالث حزن بعثته وحشة التفرق وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها فلو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك ولله در القائل
أيا صاحبي أما ترى نارهم فقال تريني مالا أرى
سقاك الغرام ولم يسقني فأبصرت مالم أكن مبصرا
فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ونكد التشتت وغبار الشعث لكفى به عقوبة فكيف وأقل عقوبته أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم فتصير أوقاته التي هي مادة حياته ولا قيمة لها مستغرفة في قضاء حوائجهم ونيل أغراضهم وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية عليه والأنس به ثم آثر على ذلك سواه ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق كما تستغيث الحامل عند ولادتها ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا فالتفرق يوقع وحشة الحجاب وألمه أشد من ألم العذاب قال الله تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم والذوق الذي يذهب وحشة هذا التفرق هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله ذوق الإرادة طعم الأنس فلا يعلق به شاغل ولا يفسده عارض ولا تكدره تفرقة.
قال الدرجة الثانية سرور شهود كشف حجاب العلم وفك رق التكليف.
ونفي صغار الاختيار يريد أن العلم حجاب على المعرفة فشهود كشف ذلك الحجاب حتى يفضي القلب إلى المعرفة يوجب سرورا والعلم عند هذه الطائفة استدلال والمعرفة ضرورية فالعلم له الخبر والمعرفة لها العيان فالعلم عندهم حجاب على المعرفة وإن كان لا يوصل إليها إلا بالعلم والعلم لها كالصوان لما تحته فهو حجاب عليه ولا يوصل إليه إلا منه ومثال هذا أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس فهذا علم فإذا حفرته وشاهدت الحيوان فهذه معرفة قوله وفك رق التكليف عبارة قلقة غير سديدة ورق التكليف لا يفك إلى الممات وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه مالم يكن شاهده من قبل فرق التكليف أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم والذي يتوجه عليه كلامه أن السرور بالذوق الذي أشار إليه يعتق العبد من رق التكليف بحيث لا يعده تكليفا بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له وقرة عين في حقه ونعيما لروحه يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية فلا يجد في أوراد العبادة كلفة ولا تصير تكليفا في حقه فإن ما يفعله المحب الصادق ويأتي به في خدمة محبوبه هو أسر شيء إليه وألذه عنده ولا يرى ذلك تكليفا لما في التكليف من إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة عليه والله سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه وصية وعهدا وموعظة ورحمة ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي كقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقا فهذا أقرب ما يؤول به كلامه على أن للملحد ههنا مجالا وهو أن هذه الحال إنما هي لأقوام انتقلت عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم فاستغنوا بالواردات عن الأوراد وبالحقائق عن الرسوم وبالمعاني عن الصور فخلصوا من رق التكليف المختص بالعلم وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم وهكذا الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل قوله ونفى صغار الاختيار يريد به أن العبد متى كان مربوطا باختياراته محبوسا في سجن إراداته فهو في ذل وصغار فإذا وصل إلى هذه الدرجة انتفى عنه صغار الاختيار وبقي من جملة الأحرار فيا لها من عبودية أوجبت حرية وحرية كملت عبودية فيصير واقفا مع ما يختار الله له لا مع ما يختاره هو لنفسه بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتة فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة نازعته اختياراته ونازعها فهو معها في ذل وصغار ومتى أفضى إلى المعرفة وكشف له عن حجابها شاهد البلاء نعيما والمنع عطاء والذل عزا والفقر غنى فانقاد باطنه لأحكام المعرفة وظاهره لأحكام العلم على أن للملحد ههنا مجالا قد جال فيه هو وطائفته فقال هذا يوجب الانقياد لأحكام المعرفة والتخلص والراحة من أحكام العلم وقد قيل إن العالم يسعطك الخل والخردل والعارف ينشقك المسك والعنبر قال ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب ومع العارف في راحة لأن العارف يبسط عذر العوالم والخلائق والعالم يلوم وقد قيل من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم.
فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه زعاف قاتل من الانحلال عن الدين ودعوى الراحة من حكم العبودية والتماس الأعذار لليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على السن الرسل للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والانقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبر فليهن الكفار والفجار والفساق انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل والخردل فإن قوله هذا يجوز وهذا لايجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا يسخطه خل وخردل عند هؤلاء الملاحدة وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك ولذلك إذا نظرت عندهم إلى الخلق بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من توعده الله ورسوله أعظم الوعيد وتهدده أعظم التهديد ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله سبحانه المعذور ويذيقه أشد العذاب وهلا كان الغنى الرحيم أولى بعذره من هؤلاء نعم العالم الناصح يلوم بأمر الله والعارف الصادق يرحم بقدر الله ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته فذلك رحمة له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره وأنت مع العالم في تعب يعقب كل الراحة ومع عارف هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم كما ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن المسيح عليه السلام كان يقول على قدر ما تتعبون ههنا تستريحون هنالك وعلى قدر ما تستريحون ههنا تتبعون هنالك فالعالم يحذرك ويمنعك الوقوف حتى تبلغ المأمن وعارف الملاحدة يوهمك الراحة من كد المسير ومؤنة السفر حتى تؤخذ في الطريق.
قال الدرجة الثالثة سرور سماع الإجابة وهو سرور يمحو آثار.
الوحشة ويقرع باب المشاهدة ويضحك الروح قيد الشيخ السماع بكونه سماع إجابة فإنه السماع المنتفع به لا مجرد سماع الإدراك فإنه مشترك بين المجيب والمعرض وبه تقوم الحجة وينقطع العذر ولهذا قال الله عن أصحابه{سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}وقال النبي صلى اله عليه وسلم لليهودي الذي سأله عن أمور من الغيب" ينفعك إن حدثتك" قال أسمع بأذني وأما سماع الإجابة ففي مثل قوله تعالى {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي مستجيبون لهم وفي قوله{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي مستجيبون له وهو المراد وهذا المراد بقول المصلى سمع الله لمن حمده أي أجاب الله حمد من حمده وهو السمع الذي نفاه الله عز وجل عمن لم يرد به خيرا في قوله{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ} أي لجعلهم يسمعون سمع إجابة وانقياد وقيل المعنى لأفهمهم وعلى هذا يكون المعنى لأسمع قلوبهم فإن سماع القلب يتضمن الفهم والتحقيق أن كلا الأمرين مراد فلو علم فيهم خيرا لأفهمهم ولجعلهم يستجيبون لما سمعوه وفهموه والمقصود أن سماع الإجابة هو سماع انقياد القلب والروح والجوارح لما سمعته الأذنان قوله ويمحو آثار الوحشة يعني يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد التام فإنه على قدر فقد ذلك تكون الوحشة وزوالها إنما يكون بالانقياد التام وأيضا فإنه يبقى على أهل الدرجة الثانية آثار وهم أهل كشف حجاب العلم فإنهم إذا انكشف عنهم حجاب العلم وأفضوا إلى المعرفة بقيت عليهم بقايا من آثار ذلك الحجاب فإذا حصلوا في هذه الدرجة زالت عنهم تلك البقايا وقد يوجه كلامه على معنى آخر وهو أنه إذا دعا ربه سبحانه فسمع ربه دعاءه سماع إجابة وأعطاه ما سأله على حسب مراده ومطلبه أو أعطاه خيرا منه حصل له بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد فإن للعطاء والإجابة سرورا وأنسا وحلاوة وللمنع وحشة ومرارة فإذا تكرر منه الدعاء وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه محا عنه آثار الوحشة وأبدله بها أنسا وحلاوة قوله ويقرع باب المشاهدة يريد والله أعلم مشاهدة حضرة الجمع التي يشمر إليها السالكون عنده وإلا فمشاهدة الفضل والمنة قد سبقت في الدرجتين الأولتين وانتقل المشاهد لذلك إلى ما هو أعلامنه وهو مشاهدة الحضرة المذكورة قوله ويضحك الروح يعني أن سماع إلإجابة يضحك الروح لسرورها بما حصل لها من ذلك السماع وإنما خص الروح بالضحك ليخرج به سرورا يضحك النفس والعقل والقلب فإن ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه إذ محله النفس فإذا ارتفع ومحا الشهود رسم النفس بالكلية كان الإدراك حينئذ بالروح فيضحكها بالسرور وهذا مبني على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النفس والقلب والروح والفتح عندهم نوعان فتح قلبي وفتح روحي فالفتح القلبي يجمعه على الله ويلم شعثه والفتح الروحي يغنيه عنه ويجرده منه وبالله التوفيق.
نقله لكم : محمدمحمود شراب. المصدر: مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين - الجزء الثالث صفحة 156
الخميس، ٢ يوليو ٢٠٠٩
إبن القيم الجوزية – منزلة الخشوع
مدارج السالكين منزلة الخشوع
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الخشوع).
قال الله تعالى: 57 :16 {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين" وقال ابن عباس: "إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن" وقال تعالى: 23 :1، 2 {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.
و(الخشوع) في أصل اللغة: الانخفاض والذل والسكون قال تعالى: 20 :108 {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى: 41 :39 {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}. و(الخشوع) قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه.
وقيل (الخشوع) الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع.
فمن علاماته: أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد.
وقيل (الخشوع) خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب.
وقال الجنيد "الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب".
وأجمع العارفون على أن (الخشوع) محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره و"رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هدا لخشعت جوارحه" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات" وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار إلى منكبيه.
وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول: "إياكم وخشوع النفاق فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع" ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: "يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب" ورأت عائشة رضى الله عنها "شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: نساك فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال: أسمع وإذا ضرب: أوجع وإذا أطعم: أشبع وكان هو الناسك حقا" وقال الفضيل بن عياض: "كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه" وقال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا" وقال سهل: "من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان".
قال صاحب المنازل:
"الخشوع: خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو مفزع".
يعنى: انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب.
والحق: أن (الخشوع) معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال: "وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: التذلل للأمر: والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق".التذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق".
التذلل للأمر: تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل.
وأما الاستسلام للحكم: فيجوز أن يريد به: الحكم الديني الشرعي فيكون معناه: عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به: الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض.
والحق: أن (الخشوع) هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه.
وأما الاتضاع لنظر الحق: فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: 55 :46 {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وقوله: 79 :40 {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية.
فخوفه من هذا المقام: يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه.
والتأويل الثاني: أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه.
فعلى الأول: يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.
وعلى الثاني: وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم.
قال: "الدرجة الثانية: ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء".
يريد: انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال.
وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك: فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب".
وأما تنسم نسيم الفناء: فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله.
قال "الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل".
أما حفظ الحرمة عند المكاشفة: فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة.
وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق: فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك.
وإنما المراد: أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.
وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتى
أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده يأتى
لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات
وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى
إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات
ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا في بعض ذرات
ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لى وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى
فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى
أما تجريد رؤية الفضل: فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه.
والتجريد: هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم.
فإن قيل: مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته: هل يعتد بها أم لا؟.
قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
وفى المسند مرفوعا: "إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها".
وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين.
وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء: فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها.
وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه و بسيطه.
واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائى.
قالوا: ولأن الخشوع والعقل: روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها؟.
قالوا: ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت.
وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله
ص -527- طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب: صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه.
قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل؟.
قالوا: والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون؟.
قالوا: وفي الترمذى وغيره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل" وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل.
قالوا: ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له.
قالوا: وقد قال الله تعالى: 17 :4، 5 {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن الحضور والخشوع والصواب: أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء.
قالوا: ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه.
أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له.
الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره.
فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة: أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحه أو قول: "سمع الله لمن حمده" أو قول: "ربنا ولك الحمد" أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ثم يصححها مع فوات بها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها.
فهذا ما احتجت به هذه الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا.
قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس".
قالوا: فأمره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدركم صلى: بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم المرغمتين وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب وقال: "لكل سهو سجدتان" ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب.
قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان الباطنة: فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم في الأخرة على الظواهر والبواطن ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانية المنافقين ويكل أسرارهم إلى الله تعالى فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة.
قالوا: فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائى مع أنه لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة.
نعم: لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل.
وكذلك ما يحصل هذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله فإن أردتم وجوب الإعادة: لتحصل هذه الثمرات والفوائد: فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا.
وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم.
نقله لكم: محمد محمود شراب. المصدر: مدراج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين - الجزء الأول صفحة 520
إبن القيم الجوزية – منزلة الزهد
مدارج السالكين منزلة الزهد
قال الله تعالى {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} وقال تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وقال تعالى {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ} وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} إلى قوله {وَخَيْرٌ أَمَلاً} وقال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقال: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقال تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} وقال: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ} إلى قوله {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} والقرآن مملوء من التزهيد فى الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها والترغيب فى الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام فى قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن جاله وشاهده فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم والكلام بلسان العلم: أوسع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها
وقال سفيان الثورى: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء
وقال الجنيد: سمعت سريا يقول: إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم وقال: الزهد في قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود وقال يحيى بن معاذ: الزهد يورث السخاء بالملك والحب يورث السخاء بالروح
وقال ابن الجلاء: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها
وقال ابن خفيف: الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك
وقال أيضا: الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك وقيل: هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف
وقال الجنيد: الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد وقال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل وعنه رواية أخرى: أنه عدم فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدا فقال: نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت
وقال عبد الله بن المبارك: هو الثقة بالله مع حب الفقر وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط
وقال عبدالواحد بن زيد الزهد: الزهد في الدينار والدرهم وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما يشغل عن الله وهو قول الشبلي وسأل رويم الجنيد عن الزهد فقال: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب وقال مرة: هو خلو اليد عن الملك والقلب عن التتبع وقال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة وقال أيضا: الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر وقيل: حقيقته هو الزهد في النفس وهذا قول ذي النون المصري
وقيل: الزهد الإيثار عند الاستغاء والفتوة الإيثار عند الحاجة قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزاهدين وأقعد معهم فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته وهو من أجمع الكلام وهو يدل على أنه رضي الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء
أحدها: الزهد والذي أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد كالزهد لعبد الله ابن المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم ومتعلقه ستة أشياء: لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها وهي المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم وكان عبدالله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء
ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه وقد روي مرفوعا.
وقد اختلف الناس فى الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا فقال أبو حفص الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد وخالفه الناس في هذا وقالوا: بل الحلال موجود فيها وفيها الحرام كثيرا وعلى تقدير: أن لا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما يتناوله المضطر منها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير
وقال يوسف بن أسباط: لو بلغني أن رجلا بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي الله عنهم ما قلت له زاهد لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا وأما الحرام: فإن ارتكبته عذبك الله عز وجل.
ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد فقالت طائفة: الزهد إنما هو في الحلال لأن ترك الحرام فريضة وقالت فرقة: بل الزهد لا يكون إلا في الحرام وأما الحلال: فنعمة من الله تعالى على عبده والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقا إلى جنته: أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها . والتحقيق: أنها إن شغلته عن الله فالزهد فيها أفضل وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها والله أعلم
قال صاحب المنازل: "الزهد: هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية" يريد بالشيء المزهود فيه: ما سوى الله والإسقاط عنه: إزالته عن القلب وإسقاط تعلق الرغبة به وقوله: "بالكلية" أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوق إليه
قال: وهو للعامة: قربة وللمريد: ضرورة وللخاصة: خشية يعني أن العامة تتقرب به إلى الله و القربة ما يتقرب به المتقرب إلى محبوبه وهو ضرورة للمريد لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه فهو مضطر إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب إذ التعلق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا أو وقفة أو نكسة على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه وقوة تعلقه به وضعفه وإنما كان خشية للخاصة: لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرة عيونهم به: أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى الله فزهدهم خشية وخوف قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الزهد في الشبهة بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة الفساق.
أما الزهد في الشبهة: فهو ترك ما يشتبه على العبد: هل هو حلال أو حرام كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات اتقى الحرام ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ليس من هذا ولا هذا فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ليس من واحد منهما فلا يبيت به الحاج ليلة جمع ولا ليالي منى وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم فليس من الحرم ولا من عرفة وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس وإن دخل في اسم اليوم شرعا وكذلك منازل السير: بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ فيظنها صاحبها غاية وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق والعلماء هم الأدلة فيها
وقوله: بعد ترك الحرام أي ترك الشبهة لا يكون إلا بعد ترك الحرام
وقوله: بالحذر من المعتبة يعني أن يكون سبب تركه للشبهة: الحذر من توجه عتب الله عليه وقوله: والأنفة من المنقصة أي يأنف لنفسه من نقصه عند ربه وسقوطه من عينه عينيه لا أنفته من نقصه عند الناس وسقوطه من عيونهم وإن كان ذلك ليس مذموما بل هو محمود أيضا ولكن المذموم: أن تكون أنفته كلها من الناس ولا يأنف من الله
وقوله: وكراهة مشاركة الفساق يعنى أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا قال: قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها إذا لم أترك الماء اتقاء تركت لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب يلغن فيه
قال: الدرجة الثانية: الزهد في الفضول وهو ما زاد على المسكة والبلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت وحسم الجأش والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين الفضول ما يفضل عن قدر الحاجة و المسكة ما يمسك النفس من القوت والشراب واللباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه و البلاغ هو البلغة من ذلك الذي يتبلغ به المسافر في منازل السفر فيزهد فيما وراء ذلك اغتناما لتفرغه لعمارة وقته ولما كان الزهد لأهل الدرجة الأولى: خوفا من المعتبة وحذرا من المنقصة: كان الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت فالوقت سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك
وعمارة الوقت: الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان وقد حكي عن بعضهم: أنه كان يرد عليه وهو على بطن امرأته حال لا يعهدها في غيرها ولهذا سبب صحيح وهو اجتماع قوى النفس وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء مع ما يحصل لها من السرور والفرح والسرور يذكر بالسرور واللذة تذكر باللذة فتنهض الروح من تلك الفرحة واللذة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية والقوة والنشاط وقطع أسباب الالتفات فيورثه ذلك حالا عجيبة
ولا تعجل بالإنكار وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه الحال كيف تراه فهكذا حال غيرك ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من الدنيا قويت به وسرت واستجمعت قواها وجمعيتها وزال تشتتها اللهم اغفر فقد طغى القلم وزاد الكلم فعياذا بك اللهم من مقتك.
وأما حسم الجأش فهو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا رغبة ورهبة وحبا وبغضا وسعيا فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه بأن لا يلتفت إليها ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه فإن الزهد زهد القلب لا زهد الترك من اليد وسائر الأعضاء فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد منها.
وأما التحلى بحلية الأنبياء والصديقين فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقا إذ هم مشمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها فهم زاهدون وإن كانوا لها مباشرين
فصل قال: الدرجة الثالثة: الزهد في الزهد وهو بثلاثة أشياء:
استحقار ما زهدت فيه واستواء الحالات فيه عندك والذهاب عن شهود الاكتساب ناظرا إلى وادي الحقائق وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء
أحدها: احتقاره ما زهد فيه فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قربانا لأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له فيستحي من صح له الزهد أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه بل يفنى عن زهده فيه كما فنى عنه ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه
وأما استواء الحالات فيه عنده: فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه: متساويين عنده إذ ليس له عنده قدر وهذا من دقائق فقه الزهد فيكون زاهدا في حال أخذه كما هو زاهد في حال تركه إذ همته أعلى عن ملاحظته أخذا وتركا لصغره في عينه
وأما الذهاب عن شهود الاكتساب فمعناه: أن من استصغر الدنيا بقلبه واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده: لم ير أنه اكتسب بتركها عند الله درجة ألبتة لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات
وفيه معنى آخر: وهو أن يشاهد تفرد الله عز وجل بالعطاء والمنع فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا بل الله وحده هو المعطي المانع فما أخذه فهو مجري لعطاء الله إياه كمجرى الماء في النهر وما تركه لله فالله سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه وهو معنى قوله: ناظرا إلى وادي الحقائق وهذا أليق المعنين بكلامه فهذا زهد الخاصة قال الشاعر
إذا زهدتني في الهوى خشية الردى جلت لي عن وجه يزهد في الزهد
نقله لكم: محمد محمود شراب. المصدر: مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين - الجزء الثاني صفحة 9
إبن القيم الجوزية – منزلة الورع
مدارج السالكين منزلة الورع
قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [ المؤمنون: 51 ] وقال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [ المدثر: 4 ] قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب فكنى عن النفس بالثوب وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا غدر ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
وإنى بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من غدرة أتقنع
والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب وتقول للغادر والفاجر: دنس الثياب وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم ولكن البسها وأنت بر طاهر
وقال الضحاك: عملك فأصلح قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب وإذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر وقال الحسن والقرظي: وخلقك فحسن
وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التى لا تجوز الصلاة معها لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم وقال طاووس: وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها
والقول الأول: أصح الأقوال ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها والمقصود: أن الورع يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله ويؤثر كل منهما في الآخر ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكسفتها حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر وليسا عليهما وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة فقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فهذا يعم الترك لما لا يعني: من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة فهذه الكلمة كافية شافية في الورع قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات وفى الترمذي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس". قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله وقال إسحاق بن خلف: "الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة والزهد في الرياسة: أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يبذلان في طلب الرياسة" وقال أبو سليمان الداراني: "الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضى" وقال يحيى بن معاذ: "الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل" وقال: "الورع على وجهين ورع فى الظاهر وورع فى الباطن فورع الظاهر: أن لا يتحرك إلا لله وورع الباطن: هو أن لا يدخل قلبك سواه" وقال: "من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء" وقيل: "الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات" وقيل: "من دق في الدنيا ورعه أو نظره جل في القيامة خطره" وقال يونس بن عبيد: "الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين" وقال سفيان الثوري: "ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك فاتركه" وقال سهل: "الحلال هو الذي لا يعصي الله فيه والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه" وسأل الحسن غلاما فقال له: "ما ملاك الدين قال: الورع قال: فما آفتة قال: الطمع فعجب الحسن منه" وقال الحسن: "مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة" وقال أبو هريرة: "جلساء الله غدا أهل الورع والزهد"
وقال بعض السلف: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام"
قال صاحب المنازل الورع: "توق مستقصى على حذر وتحرج على تعظيم"
يعني أن يتوقى الحرام والشبه وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي لأن التوقي والحذر متقاربان إلا أن التوقي فعل الجوارح و الحذر فعل القلب فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف ولكن لأمور أخرى: من إظهار نزاهة وعزة وتصوف أو اعتراض آخر كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ولا جنة ولا نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة تصونا عنها ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها وطلبا للمحمدة ونحو ذلك
وقوله: "أو تحرج على تعظيم" يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه إما حذر حلول الوعيد وإما تعظيم الرب جل جلاله وإجلالا له أن يتعرض لما نهى عنه فالورع عن المعصية: إما تخوف أو تعظيم واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب الباعث على ترك معصية المحبوب لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه وإلا فلو خلا القلب من تعظيمه لم تستلزم محبته ترك مخالفته كمحبة الإنسان ولده وعبده وأمته فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة قال: "وهو آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد" يعني أن هذا التوقي والتحرج بوصف الحذر والتعظيم: هو نهاية لزهد العامة وبداية لزهد المريد وإنما كان كذلك لأن الورع كما تقدم هو أول الزهد وركنه وزهد المريد: فوق زهد العامة ونهاية العامة: هى بداية المريد فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا وهو أول ورع المريد قال: "وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: تجنب القبائح لصون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان". هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح إحداها: صون النفس وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده: صانها وحماها وزكاها وعلاها ووضعها في أعلى المحال وزاحم بها أهل العزائم والكمالات ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده أنقاها في الرذائل وأطلق شناقها وحل زمامها وأرخاه ودساها ولم يصنها عن قبيح فأقل ما في تجنب القبائح: صون النفس
وأما توفير الحسنات فمن وجهين
أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها
والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها كما تقدم في منزلة التوبة: أن السيئات قد تحبط الحسنات وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها فلا بد أن تضعفها قطعا فتجنبها يوفر ديوان الحسنات وذلك بمنزلة من له مال حاصل فإذا استدان عليه فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه فهكذا الحسنات والسيئات سواء وأما صيانة الإيمان فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود فإن العبد كما جاء في الحديث إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب واستغفر صقل قلبه وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه وذلك الران الذي قال الله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [ المطففين: 14 ] فالقبائح تسود القلب وتطفىء نوره والإيمان هو نور فى القلب والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا فالحسنات تزيد نور القلب والسيئات تطفىء نور القلب وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا فقال: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [ النساء: 88 ] وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب فقال فيما نقضهم ميثقاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به [ المائده: 13 ] فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار: من تقسية القلب واللعنة وتحريف الكلم ونسيان العلم فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء ولذلك قال السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت
فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة مرضه وضعفه وهذه الأمور الثلاثة وهي صون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان هي أرفع من باعث العامة على الورع لأن صاحبها أرفع همة لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربها فهو يصونها عما يشينها عنده ويحجبها عنه ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها لأنه يسير بها إلى ربه ويطلب بها رضاه ويصون إيمانه بربه: من حبه له وتوحيده ومعرفته به ومراقبته إياه عما يطفىء نوره ويذهب بهجته ويوهن قوته قال الشيخ وهذه الثلاث الصفات: هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين
يعني أن للمريدين درجتين أخريين من الورع فوق هذه ثم ذكرهما فقال: الدرجة الثانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاء على الصيانة والتقوى وصعودا عن الدناءة وتخلصاعن اقتحام الحدود
يقول: إن من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا مما لا بأس به من المباح إبقاء على صيانته وخوفا عليها أن يتكدر صفوها ويطفأ نورها فإن كثيرا من المباح يكدر صفو الصيانة ويذهب بهجتها ويطفىء نورها ويخلق حسنها وبهجتها وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا من الكلام فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام فإن بينهما برزخا كما تقدم فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لا بد منه لمنافاته لدرجته والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه: أن ذلك يسعى في تحصيل الصيانة وهذا يسعى في حفظ صفوها أن يتكدر ونورها أن يطفأ ويذهب وهو معنى قوله: إبقاء على الصيانة
وأما الصعود عن الدناءة: فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها
وأما التخلص عن اقتحام الحدود فالحدود: هي النهايات وهي مقاطع الحلال والحرام فحيث ينقطع وينتهي فذلك حده فمن اقتحمه وقع في المعصية وقد نهى الله تعالى عن تعدي حدوده وعن قربانها فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [ البقره وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [ البقره: 229 ] فإن الحدود يراد بها أواخر الحلال وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك: أوائل الحرام يقول سبحانه: لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرمت عليكم فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه وهو اقتحام الحدود قال: الدرجة الثالثة: التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق وعارض يعارض حال الجمع الفرق بين شتات الوقت والتعلق بالتفرق: كالفرق بين السبب والمسبب والنفي والإثبات فإنه يتشتت وقته فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه الحق إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة فمن لم يكن الله مراده أراد ما سواه ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن يعمل لغيره وقد تقدم هذا فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده ورجائه وحده والطلب منه والذل منه والافتقار إليه وحده وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية: لأن أربابها اشتغلوا بحفظ الصيانة من الكدر وملاحظتها وذلك عند أهل الدرجة الثالثة: تفرق عن الحق واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم فأدب أهل هذه أدب حضور وأدب أولئك أدب غيبة وأما الورع عن كل حال يعارض حال الجمع فمعناه: أن يستغرق العبد شهود فنائه في التوحيد وجمعيته على الله تعالى فيه عن كل حال يعارض هذا الفناء والجمعية وهذا عند الشيخ لما كان هو الغاية التي ليس بعدها مطلب: جعل كل حال يعارضها ويقطع عنها ناقصا بالنسبة إليها فالرغبة عنه غير ورع صاحبها وقد عرفت ما فيه وأن فوق هذا مقام أرفع منه وأعلى وهو الورع عن كل حظ يزاحم مراده منك ولو كان الحظ فناءا وجميعة أو كائنا ما كان وبينا أن الفناء و الجمعية حظ العبد وأن حق الرب وراء ذلك وهو البقاء بمراده فرقا وجمعا به وله وعلى هذا فالورع الخاص: الورع عن كل حال يعارض حال القيام بالأمر والبقاء به فرقا وجمعا والله المستعان
الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل وقوة الإيمان باللقاء
تثمر الزهد والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء والقناعة تثمر الرضاء والذكر يثمر حياة القلب والإيمان بالقدر يثمر التوكل ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة والورع يثمر الزهد أيضا والتوبة تثمر المحبة أيضا ودوام الذكر يثمرها والرضا يثمر الشكر والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه والمعرفة تثمر الخلق والفكر يثمر العزيمة والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء والخشية والإنابة وإماتة النفس وإذلالها وكسرها: يوجب حياة القلب وعزه وجبره ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل واستكثار ما منه واستقلال ما منك من الطاعات ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين وحسن التأمل لما ترى تسمع من الآيات المشهودة والمتلوة يثمر صحة البصيرة وملاك ذلك كله: أمران أحدهما: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته تنزلها على داء قلبك فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق ألبتة وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها والله المستعان
نــقله لكم: محمد محمود شراب. المصدر مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين - الجزء الثاني صفحة 21
إبن القيم الجوزية – منزلة الخوف
مدارج السالكين منزلة الخوف
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الخوف).
وهى من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد.
قال الله تعالى 3 :175 {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقال تعالى 2 :40 {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} وقال 5 :44 {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن} ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال 23 :57، 61 {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إلى ـ قوله ـ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت "يا رسول الله قول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة} أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" قال الحسن: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا".
و(الوجل) و(الخوف) و(الخشية) و(الرهبة) ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد: "الخوف توقع العقوبة على مجارى الانفاس".
وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه.
وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.
و(الخشية) أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى: 35 :28 {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية".
فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك: له حالتان.
إحداهما: حركة للهرب منه وهي حالة الخوف.
والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه: انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض.
وأما (الرهبة) فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع.
وأما (الوجل) فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته.
وأما (الهيبة): فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال: تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" وفى رواية (خوفا) وقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى".
فصاحب الخوف: يلتجىء إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية: يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء.
قال أبو حفص: "الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه".
فالخائف هارب من ربه إلى ربه.
قال أبو سليمان: "ما فارق الخوف قلبا إلا خرب" وقال إبراهيم بن سفيان: "إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها" وقال ذو النون: "الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق" وقال حاتم الأصم: "لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون".
والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه".
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.
قال أبو عثمان: "صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا". وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله".
وقال صاحب المنازل:
"الخوف: هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر". يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد.
قال: "وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة".
الخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به.
وله متعلقان أحدهما: نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني: السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف: يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه.
فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا: لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره: لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه: حصل له الخوف.
هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة.
وفي مراقبة العاقبة: زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم.
قال: "الدرجة الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة".
يريد: أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها: استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
قال: "الدرجة الثالثة [درجة الخاصة] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف".
يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة.
قال: "وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة".
يعنى أن أكثر ما تكون (الهيبة) أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة.
وهذه المناجاة: توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها.
وأما صون المسامر أحيان المسامرة: فالمسامرة عندهم: أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية.
وأما فصمها المعاين بصدمة العزة: فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء والله أعلم.
القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف
والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره.
قال: ينبغي للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد.
وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه.
نقله لكم: محمد محمود شراب. المصدر: مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين – الجزء الأول صفحة 512
إبن القيم الجوزية – منزلة الحزن
مدارج السالكين منزلة الحزن
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة (الحزن).
وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. فالمنهي عنه: كقوله تعالى: 3 :139 {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا} وقوله: 16 :127 {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في غير موضع وقوله: 9 :40 {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} والمنفي كقوله: 2 :38 {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وسر ذلك: أن (الحزن) موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى: 58 :10 {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة "أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه". فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" فهو قرين الهم والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما يستقبل: أورثه الهم وإن كان لما مضى: أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم. ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: 35 :34 {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. وأما قوله تعالى: 9 :92 {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه" فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه.
وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه كان متواصل الأحزان" فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف. وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فمن أين يأتيه الحزن؟. بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته: "الضحوك القتال" صلوات الله وسلامه عليه. وأما الخبر المروي: "إن الله يحب كل قلب حزين" فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته. وعلى تقدير صحته: فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه. وأما الأثر الآخر "إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا" فأثر إسرائيلي قيل: إنه في التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح. وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل: 12 :84 {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه. وأجمع أرباب السلوك: على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال: لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا. فيقال: لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق: فلا والله سبحانه أعلم.
قال صاحب المنازل:
"الحزن: توجع لفائت وتأسف على ممتنع".
يريد: أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه. قال: "وله ثلاث درجات الأولى: حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام". التفريط في الخدمة عندهم: فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى: أن يحزن لتضييع العمل. وأما التورط في الجفاء: فهو أيضا أخصى من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات. وأما تضييع الأيام: فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه. فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص. قال: "الدرجة الثانية: حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن". تعلق القلب بالتفرقة: هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات.
وأما اشتغال النفس عن الشهود: فهو نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره. والثاني: اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه. وأما التسلي عن الحزن: فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن.
قال: صاحب المنازل:
"وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان". وهذا إن أراد به: أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن: فصحيح وإن أراد به: لا يعرض لهم حزن: فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام.
قال: "الدرجة الثالثة من الحزن: التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام".
هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة.
الأول: حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة.
ومنهم: من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ.
ومنهم: من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر. وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة. ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها. فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها. فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل.
فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين. ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول: 29 :69 {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. وأما اعتراضات الأحكام: فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم.
وإن كان المراد به: الأحكام الدينية: فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته: حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم.
نقله لكم: محمد محمود شراب. المصدر: مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين - الجزء الأول صفحة 505
إبن القيم الجوزية – قيام الليل
فصل في هديه صلى الله عليه و سلم في قيــــــام الليـــــــل
حدثنا محمد بنُ نصر، حدثنا عبد اللّه، حدثنا عمرو، عن سعيد وقبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَكَ} [الإسراء: 79]، قال: لا تكون نافلة الليل إلا للنبى صلى الله عليه وسلم. وذكر عن الضحاك، قال: نافلة للنبى صلى الله عليه وسلم خاصة. وذكر سُليم بن حيان، حدثنا أبو غالب، حدثنا أبو أمامة، قال: إذا وضعتَ الطهورَ مواضعه، قمتَ مغفوراً لك، فإن قمتَ تصلي، كانت لك فضيلةً وأجراً، فقال رجل: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما النافلةُ للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون له نافلة، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟! تكون له فضيلة وأجراً قلتُ: والمقصودُ أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعلُه وتركه، كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: {نافلة لك} نافياً لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب، وسيأتي مزيدُ بيان لهذه المسألة إن شاء اللّه تعالى، عند ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيامَ الليل حضراً ولا سفراً، وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. فسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يُقض لفوات محله، فهو كتحية المسجد، وصلاةِ الكسوف والاستسقاءِ ونحوها، لأن المقصودَ به أن يكون آخرُ صلاة الليل وتراً، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعَه. هذا معنى كلامه. وقد روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيه، فَلْيُصَلِّه إذا أصبَحَ أَو ذَكَرَ" ولكن لهذا الحديث عدة علل.
أحدُها: أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.
الثاني: أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الترمذي. هذا أصح، يعني المرسل.
الثالث: أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبى سعيد: الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أَن تصْبِحُوا". قال: فهذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واهٍ وكان قيامُه صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثَ عشرة، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا، ففي "الصحيحين" عنها: ما كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. وفى "الصحيحين" عنها أيضاً، كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصلي من الليل ثلاثَ عشر. ركعة، يُوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخِرِهِن والصحيح عن عائشة الأول: والركعتان فوق الإِحدى عشرة هما ركعتا الفجر، جاء ذلك مبيناً عنها في هذا الحديث بعينه، كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر، ذكره مسلم في "صحيحه". وقال البخاري: في هذا الحديث: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُصلي بالليل ثلاثَ عشرة ركعة، ثم يُصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين وفي "الصحيحين" عن القاسم بن محمد قال: سمعتُ عائشة رضي اللّه عنها تقول: كانت صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشرَ ركعات، ويُوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، وذلك ثلاثَ عشرة ركعة، فهذا مفسر مبين.
وأما ابنُ عباس، فقد اختلف عليه، ففي "الصحيحين" عن أبي جمرة عنه: كانت صلاةُ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاثَ عشرة ركعةً يعني بالليل لكن قد جاء عنه هذا مفسراً أنها بركعتي الفجر. قال الشعبي: سألتُ عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، عن صلاةِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالا: ثلاثَ ركعات ركعة، منها ثمان، ويُوتر بثلاث، وركعتين قبل صلاة الفجر. وفي "الصحيحين" عن كُريب عنه، في قصة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث، أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، فلما تبيَّن له الفجرُ، صلَّى ركعتين خفيفتينِ وفي لفظ: فصلَّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذِّنُ. فقام فصلَّى ركعتين خفيفتين، ثم خرج يُصلي الصبح. فقد حصل الاتفاقُ على إحدى عشرة ركعة واختلف في الركعتين الأخيرتين هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما. فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يُحافظ عليها، جاء مجموعُ ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة، كان يُحافظ عليها دائماً سبعة عشر فرضاً، وعشر ركعات، أو ثنتا عشرة سنة راتبة، وإحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة قيامه بالليل، والمجموع أربعون ركعة، وما زاد على ذلك، فعارض غيرُ راتب، كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قَدِمَ من سفر، وصلاته عند من يزوره، وتحية المسجد ونحو ذلك، فينبغي للعبد أن يُواظب على هذا الورد دائماً إلى الممات، فما أسرع الإِجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعُه كلَّ يوم وليلة أربعين مرة. واللّه المستعان.